|
عين على المستقبل
مشروع تنموي ثقافي للأطفال والناشئين العرب
مقدمة
حُرم الأطفال واليافعون العرب خلال العقود الأربعة الأخيرة بشكل منظم من فوائد
التنشئة الثقافية. حيث ركزت جميع الأولويات الحكومية (إذا وضعنا الوعود
والتأكيدات الشفهية جانباً) على احتفاظ الأنظمة الموجودة بقبضتها القوية على
السلطة، وعلى مزاعم مواجهة التحديات المختلفة الناجمة عن الصراع العربي-
الاسرائيلي. وكانت النتيجة أنظمة تعليمية ضعيفة ومتخلفة عن العصر، وندرة شديدة
في البرامج والنشاطات الثقافية الجيدة الموجهة للشباب.
وهاهو السوق يعج اليوم بالنسخ المكررة والمنقحة من القصص الشعبية المعروفة مثل
ألف ليلة وليلة وغيرها، إضافة إلى كتب التعاليم الاسلامية المتشددة التي تقدم
رؤية ذاتية وضيقة عن التاريخ والأخلاق من الصعب أن تتلاءم مع حاجات ومبادئ
التعليم المدني. وهذا ما يمكن أن يؤدي إلى عزلة للعناصر غير الاسلامية ذات
العقول المدنية المنفتحة في المجتمع العربي سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين.
ووجد الآباء والأمهات العرب أنفسهم عاجزين تماماً في ظل الانتشار السريع بين
صفوف الشباب العرب لثقافة ديزني (التي تملك قوة هائلة في التأثير لا علاقة لها
بمبادئ التعليم المدني)، وذلك عبر مجموعة واسعة من القنوات كالكتب والموسيقا
والتلفزبون والأفلام والمسرح ومؤخراً الانترنيت.
يأتي برنامج عين على المستقبل كمبادرة فعالة وواسعة النطاق تسعى لأخذ
زمام المبادرة في الوصول إلى أوسع شريحة ممكنة من جمهور الأطفال والشباب العرب.
وقد صممته دار إيمار لمواجهة هذا التحدي عبر جميع وسائل الإعلام
المذكورة أعلاه.
وفيما يلي عرض موجز عن المكونات المختلفة لهذا المشروع:
1) البداية: المسرح
ينبغي على أي برنامج ثقافي موجه للشباب في العالم العربي أن ينطلق في حقل رواية
القصص والمسرح في وقت يفتقر فيه هذا العالم، بما فيه سورية، إلى مسرح مخصّص
للأطفال والناشئين. لذا نقترح الشروع بتأسيس مسرح يحتضن وينتج نشاطات وعروض
مسرحية مختلفة طوال السنة ويتجول أيضاً في مختلف المدن والمناطق السورية والدول
العربية المجاورة.
وتمتلك سوريا كادراً مؤهلاً لتشغيل مثل هذا المسرح. لكن المعاناة الدائمة هي
التمويل وامتلاك الرؤية التنظيمية الشاملة. وتقوم الكوادر الموجودة حالياً بين
فينة وأخرى(ربما مرة في السنة) بتقديم عروض مسرحية موجهة للأطفال حصراً. أما
المراهقين للأسف فلا يؤخذون بعين الاعتبار. ورغم تقديرنا لنوعية هذه المسرحيات
إلا أن هذه المبادرات المحدودة لا تستطيع ردم الفجوة لأنها تبقى عشوائية ولا
تغطي سوى حيز ضيق من الاهتمامات المطلوبة.
ويوماً بعد يوم تنمو الحاجة إلى نشاط ثقافي يومي مبني على هذه المحاور. وهناك
في الواقع حاجة قووية كامنة إلى هذا الأمر.
ولن تقتصر نشاطات مشروعنا على إعداد وتقديم المسرحيات فحسب بل وسستوجه أيضاً
إلى تنظيم لقاءات مع فنانين وموسيقيين مشهورين. وستتم دعوة الفنانين البارزين
للحديث عن نشاطهم أمام الجمهور المؤلف من الأطفال والمراهقين الذين ستتوفر لهم
فرصة الاستماع إلى فنانيهم المفضلين وهم يقدمون لهم النصح والمشورة. وبكلام آخر
سيُستخدم المسرح كورشة عمل مفتوحة للأطفال والناشئين والشباب لتنمية مواهبهم
بإشراف فنانين معروفين، محليين وعرب وأجانب.
وهكذا يفتح هذا النشاط آفاقاً جديدة للمراهقين للمشاركة في صنع الحدث ويعلمهم
مهارات جديدة قد يكون لها دور كبير في اختيارهم لمهنهم المستقبلية. بالاضافة
إلى ذلك ستُنظم هذه النشاطات بالتعاون مع المواهب الشابة اللامعة وبالتالي
ستكون بمثابة دورات تدريبية للعديد من المشاركين في البرنامج.
ويمكن للمسرحيات أن تُقدم من قبل فرق محلية أو عربية أو أجنبية. لكن المهم هو
الاستمرار بتقديم أشياء جديدة لإرضاء أوسع شريحة ممكنة من جمهور الناشئة
وأهاليهم.
وسيكون لتنظيم مهرجان ثقافي سنوي للشباب دور هام في هذا الإطار. إضافة إلى أن
النشاطات لن تنحصر في الفنون، بل سيتم أيضاً تنظيم معارض علمية بالاشتراك مع
العلماء المعروفين ولخدمة الأهداف والفوائد المأمولة ذاتها.
ويتم تسجيل جميع النشاطات المذكورة أعلاه على أشرطة فيديو للبيع مما يساعد على
تعميم الفائدة وإيجاد مورد إضافي للدخل. كما يمكن لهذه الأنشطة أن تُستخدم هذا
المجال أيضاً لتدريب المراهقين المهتمين في مجالات الإنتاج المسرحي والتلفزيوني
المتنوعة.
2) الكتب والمكتبات:
لا يمكن للتطور الثقافي للأطفال والمراهقين أن يعتمد على النشاطات المسرحية
فقط. ويقال الكثير هذه الأيام عقلة اهتمام هذه الفئات بالقراءة. إلا أن الواقع
يظهر أن التعليم والمتعة لا يمكن أن يتحققا بدون الرجوع إلى الكتب. إن ندرة
الكتابات الجديدة الموجهة إلى المراهقين في سوق الكتاب العربي حقيقة مروعة
ظاهرة للعيان.
ويتم حالياً ملء الفراغ إما بإعادة طباعة الأعمال القديمة والتي مهما بلغت
أهميتها ليست مناسبة بالضرورة أو كافية لمواجهة متطلبات العصر الذي نعيش فيه
وينمو فيه أولادنا، وإما بنشر كتب ذات تعاليم اسلامية متشددة ذات رؤية محدودة
لا تستطيع التكيف أو التلاؤم مع القيم المدنية.
ولهذا السبب ثمة ضرورة لرفد السوق بأنواع جديدة من الكتب تتوجه إلى الأطفال
والمراهقين ويمكنها في الوقت ذاته أن تشجع القيم المدنية وتعوض عن عدم ملائمة
البرامج التعليمية التي غالباً ما تفشل في إرضاء طموحات أجيالنا الناشئة. وتقدم
غالبية البرامج التعليمية العربية، وسورية ليست استثناء، معلوماتها بطريقة غير
جذابة، وتعامل الأطفال الشباب على أنهم آلات صُنعت لتلقي وتخزين المعلومات بدون
إثارة الأسئلة الضرورية.
ويتضح ذلك من خلال البرامج التاريخية التي تضع قائمة بالتواريخ والأحداث
وأسبابها، دون الغوص في معانيها ومدلولاتها، ودون سؤال "المتلقين" الشباب عن
آرائهم أو التركيز على إظهار كيف كان الناس يعيشون ويعملون ويربّون عائلاتهم.
وبالتالي يتم اختصار التاريخ ومن ضمنه التاريخ الاسلامي إلى مجرد سرد تاريخي
ممل مع التعامل مع عصور ما قبل الاسلام على أنها مقدمة ضرورية لكن مظلمة للعصر
الاسلامي.
وتظهر قبضة التقاليد بشكل أوضح في مجال العلوم والرياضيات، وذلك في إهمال
السياق الفعلي الذي تتم فيه الاكتشافات والتطورات. وبدلاً من إجراء التجربة
المعنية أو عرض فيلم وثائقي عنها، يتم شرح التجربة المذكورة ومراحلها ونتائجها
وأهميتها بالكلمات فقط. ويطلب من الجمهور أن يحفظ المعلومات غيباً.
وثمة نقص شديد في المختبرات والتعليم العملي (ويمكن سد هذه الثغرة جزئياً
من خلال ورشات عمل يستضيفها المسرح كما أشرنا سابقاً).
وعلى الصعيد النظري هناك حاجة لخلق مشروع ما على نمط سلسلة "ليدي بيرد"
القديمة، على أن تناسب الحاجات الإبداعية والتعليمية للأطفال والمراهقين العرب
بشكل أفضل. وهذا لا يعني إهمال جهود الترجمة أو البحث عن حقوق الترجمة إلى
العربية للسلاسل الأخرى من نمط الليدي بيرد. لكن الترجمة وحدها ليست كافية.
فعلى سبيل المثال لا يمكننا أن نتوقع من كتاب يتوجه للشباب البريطانيين أن يركز
على أهمية حمورابي أو ابن سينا أو أدونيس. في حين أنه لابد لسلسلة تعليمية
موجهة للأطفال والمراهقين العرب من القيام بذلك.
وبالاضافة إلى الكتب التعليمية هناك حاجة ملحة لنشر مجموعة من الكتب الأدبية
الموجهة للشباب (روايات، كتب فكاهية، قصص قصيرة، شعر، أغاني .. إلخ). وللبدء
بهذا العمل ينبغي علينا أن نستثمر في خلق وتشجيع الكتّاب والفنانين الجدد عن
طريق إقامة المسابقات المتخصصة، ورعاية أولئك الذين يظهرون مقدرات واعدة في هذا
المجال لكنهم غير قادرين على تخصيص المزيد من الوقت لهذا النوع من النشاط
الإبداعي بسبب ضعف الاهتمام وغياب التمويل من جانب الناشرين التقليديين.
نحن بحاجة أيضاً إلى نشرمجلات كرتونية على غرار "أستريكس" أو "تان تان" أو حتى
"سوبرمان"، على أن تنهل من ميراثنا الثقافي التاريخي والمعاصر. كما أننا بحاجة
أيضاً إلى أعمال أكثر عمقاً وإبداعاً على نمط أعمال الدكتور سيوس ورواية
"الأمير الصغير". ويوجد لدى دار إيمار حالياً العديد من المخطوطات
الواعدة التي تنسجم مع هذه الطروحات.
وكخيار بديل نحن بحاجة لأن نترجم بعض الأعمال العالمية التي ليس لها طابع
استهلاكي على غرار أعمال ديزني بل هي أرفع من ذلك وتساهم في تفتح الأذهان.
وهناك العديد من الأسماء التي يمكن ذكرها في هذا السياق، وكلها تكشف الهوة بين
العالم العربي والعالم الغربي فيما يخص التوجه لحاجات الشباب الثقافية. إذ مهما
اكتسبت الثقافة الغربية السمات الديزنية، فإنه يبقى لديها بدائل معقولة تقدمها
للآباء المهتمين. أما في العالم العربي اليوم فلا توجد لا نظائر لحالة ديزني
ولا بدائل عنها.
إذن هدفنا هو تشجيع ثقافة الكتب الموجهة للأطفال والناشئة بما يردم الهوة
المتزايدة بين العالم العربي وبقية العالم.
3) شبكة الانترنيت: أداة للإمتاع والتعليم
يعاني الأطفال العرب من قلة مواقع الانترنيت المصممة خصيصاً لتناسب حاجاتهم
التعليمية والإمتاعية. ويغلب المنظور التجاري شيئاً فشيئاً على المواقع
الموجودة على حساب المنظور التعليمي، وهو أمر غير مقبول، لأن الانترنيت يجب أن
تكون وسيلة تنمية وتطوير للشباب العرب وليست أداة إضافية للتلقي السلبي.
ولهذا السبب فإننا نخطط لإنشاء عدة مواقع مترابطة على الشبكة لتلبية الحاجات
التعليمية والإمتاعية للأطفال العرب. وسيشمل ذلك مواقع تعليمية تتيح للأساتذة
وطلاب الدراسات العليا أن يجيبوا على الأسئلة التي يطرحها الشباب من كل أنحاء
الوطن العربي. ويمكن أيضاً تنظيم مواقع محادثة (chat)
هادفة بين الأطفال والمراهقين العرب تسمح بتقديم بعض الإرشاد من قبل البالغين.
ويمكن أن تساعد هذه المواقع مع مرور الوقت على تحويل الانترنيت إلى أداة
تعليمية حقيقية للشباب العرب وتتحول أجهزة الكمبيوتر إلى أدوات تعليمية وثقافية
حقيقية وليس فقط كأجهزة لعب كما تستخدم في معظم الحالات هذه الأيام.
ولا يعني هذا بالطبع أن الانترنيت والحواسب ستستخدم فقط للأغراض التعليمية
المباشرة بل على العكس، يمكن أن تُقدم الألعاب التي يجب أن تستجيب في هذه
الحالة لحاجات الشباب العرب وتتلاءم مع الثقافة والطموح العربي.
وباختصار، يجب على الناشئة الشباب أن يكتشفوا الثقافات الأخرى، لكن من الخطر أن
ينسوا أو يزدروا ثقافتهم.
وتعتبر رواية القصص على الشبكة مباشرة وسيلة جديرة بالدراسة لاكتشاف أهميتها
وفوائدها. أمكن لنا أن نحلم ...
يمكننا أيضاً أن ندعو عدداً من صناع السياسة للحديث مع الأطفال عبر هذه المواقع
لشرح المواقف العربية حول القضايا "الساخنة": السياسية، البيئية، الاجتماعية،
الاقتصادية..الخ. ( يمكن أن يحدث هذا بالطبع على خشبة المسرح أيضاً). والغاية
الأساسية هي مساعدة الشباب عبر جعلهم يشعرون بأهمية دورهم في تشكيل العالم من
حولهم.
وكما هو الحال في النشاطات التي سنقدمها على المسرح، سيتم إنشاء مواقع انترنيت
بمساعدة أطفال وشباب متفوقين بحيث تعكس إلى حد كبير رؤيتهم الفنية. وغاية هذه
المواقع مساعدة المشاركين على تطوير معارفهم ومهاراتهم على أمل تسهيل اختيارهم
لمهنهم المستقبلية.
4) المهرجانات والأحداث الخاصة:
تساهم المهرجانات والحفلات والمنتديات والأحداث المشابهة الموجهة للأطفال
والمراهقين في تشجيع المشاركة الواسعة في توفير الحاجات التعليمية والثقافية
للشباب وتحفز مشاركة الشباب أنفسهم. كما تساعد في التعرف على مواهب جديدة في
مجال الرواية القصصية، وكتابة الأغاني، والرسم، وبرمجة الكمبيوتر. كما يمكننا
أن نتبنى بعض المواهب ونرعاها ونقدم لها ما تحتاجه من الدعم.
وهناك مهرجان قابل للتنفيذ هو مهرجان دار إيمار للشباب. وهو مناسبة تنظم
خلالها مسابقات الرواية القصصية والموسيقا والرسم ونشاطات مشابهة أخرى. ويسمح
هذا الحدث بقيام لقاءات مباشرة بين الأطفال والمراهقين من جهة ورواة القصص
والموسيقيين والكتاب المسرحيين والفنانين ونشطاء المجتمع من جهة أخرى.
يمكن لهذه الأحداث أن تشجع أيضاً على إقامة تعاون أكبر بين المشاركين المحترفين
أنفسهم، على أمل مناقشة وتطوير المزيد من المشاريع الإبداعية في المستقبل
القريب.
وكما أسلفنا، سيكون مسرح الأطفال مكاناً لدورات تدريبية خاصة ومحاضرات تقدمها
فئات مختلفة من المبدعين الذين لديهم ما يقولونه ويشاركون به شبابنا.
لدعم نشاطات وبرامج
دار إيمار، الرجاء الاتصال بـ:
support@daremar.org.
|